"تبــاً لهم"
ودلفت جميلة كعادتها فرحةً بشوشة, تملأالأجواء ضحكاً وسعادة في أرجاء منزلهم المتواضع ، نحاول مداعبتها بسذاجة، فتغصب, ولا تلبث إلا وتعود إلى سجيّتها, وابتسامتها الرائعة, وتعليقاتها المضحكة.عند رنين هاتفي تأففتُ بضجر ..!- أنه أخي عبدالله ، لن أجيب!
فجأة أحمّرت وجنتيها, وارتبكت تصرفاتها, وسقط فنجان القهوة من يديها, وما إن ذهبت باستحياء وتوتر..متعذرة
بمسح الزجاج المشبع بالقهوة, حتى اقتنصت شقيقتها الكبرى سُجى الفرصة لتهمس إلىّ:- سحر.. أتعلمين أنها تتمارض لأجل الذهاب إلى المستشفى لتروي ظمأ عينيها برؤية عشيقها المتبلد.وظهرت من جديد ولكن علامات التعب ظاهرةً عليها ، وهي تتلمس رأسها بيديها.
نظرنا لها بقلق :-ما بكِ؟- صداع. أنه مجرد صداع, وسيذهب!
ابتسمنا عند تظاهر جميلة بمرضها ، ومن بعدها تأففت سُجى ضجراً:
- آوه أنكِ مثلي ، فأنا أشعر بدوار عنيف ، قريباً سنذهب إلى الطبيب
ولأول مرة ترفض جميلة الذهاب إلى المستشفى شعرت بخوف عليها ، ولكن لا ضير من الذهاب إلى الطبيب للإطمئنان عليهن ، ولتكتِحل عينيها برؤية أبن عمها "عبدالله" الرافض من الزواج بها! وعذره ..صغيرة لم تكمل العقد الثاني من عمرها!
وبدأت تشتكي سُجى سوء معاملة زوجها الحنون سابقاً ، عندما علم بصعوبة إنجابها ، حتى أنه حاول تجريحها بعبارات قاسية تقتل المرأة دون موت كم تمنت الموت ولا النداء بـ "العقيم" ، جرح أنوثتها تتحدث عن اليأس كيف أنه سيطر عليها ، وهي التي كانت السيدة المتفائلة التي تعطي دروساً لحياة أفضل مليئة بالتفاؤل والإصرار والعزيمة.
انتهى يومنا بنوم عميق فقد سمح ولي أمري والإنسان الوحيد في حياتي بعد رحيل والدّي أن أمكث عند جميلة الرائعة.
في جوف الليل تفاجئت برؤية جميلة ، وهي تترنح يمنة ويسرة وتتألم وكأن صدمات كهربائية تقطع عروق جمجمتها وجسدها خشيت عليها كثيراً!
حتى أني تهورت ، وقمت بمهاتفة سُجى في بيت زوجها لتبليغها
عن حالة جميلة ، ومن مساوئ الصدف بأن حالتها كحالة شقيقتها ..خجلت كثيراً من محادثة أبيها المنفصل عن والدتها واللذان كل منهما قد شق طريقة ، ووزع حياته بعيداً عن جميلة وسُجى وشقيقهما المراهق "حسام".
هرعت إليها بسرعة عندما رأيتها تمشي وتهوي بلا تركيز..
نظَرت إلي وتقول بصوت مبحوح أراك سحرين اثنتين!
ربــــاه ماذا أفعل؟
فأنا في موقف حرج !
طرأت لي فكرة ، هاتفتة أخي، ولكن لا مجيب! يبدو لي بأنه في عمل خطر ومستعجل ربما حادثة ما !
أوه ماذا أفعل!
دق الجرس بطريقة فجة ومزعجة!
هل هو المنقذ؟
ما بالي أتساءل هيا أذهبي إلى الباب!
فتحتُ الباب على عجلاً من أمري ، وتفاجئت بوجود سُجى وحسام ، تنفست الصعداء حمداً لله ، نظرت إلى وجه سُجى الشاحب كشحوب جميلة هل من المعقول المرض يغيّر الإنسان بهذه السرعة!
ذهبنا على عجلاً من أمرنا ، وتوقفنا عدة مرات لتُخرج سُجى ما في جوفها..لن أنكر بأن هذا أصعب موقف في حياتي!
عادة المصائب تأتي في وقت واحد!
ساندت جميلة بصعوبة لدخول المشفى..كل شيء مضى بسرعة بمساعدة أخي عبدالله"..كنا جالسات نحن الثلاث في الانتظار ..بينما كان حسام وعبدالله يأخذون نتائج الفحوصات والتحاليل..
سمعت صراخ أخيهم حسام ..هرولت إليهم مسرعة ..بدو لي شاخصين أعينهم ..بدأت بالسؤال ما بهم؟
رد على الطبيب آسفاً...!وهو يقلّب الورقة البيضاء بين يديه..!
- جميلة حامل وسُجى مصابه بمرض السرطان!
- مهلاً ، ولكن جميلة لم تتزوج؟
احمرار وجنتّي حسام وعبدالله وشخوص أعينهم كافية عن أي جواب..ذهبت إلى الخلف،وجدت سٌجى واقفة تترقب وجميلة تنظر إلى الأسفل...أعلم أنه خجل من تصرفها..اها هكذا إذن!من أجل هذا لا تريد الذهاب إلى الطبيب؟ أنها عار علينا! ..كيف أني وثقت بها وبعشقها الكاذب لأخي ، لم أهتم بالمرض المستعصي الذي أصاب شقيقتها كحجم شعوري بالخجل والعار من صديقتي الوحيدة!
أنحرف مساري إلى "الخروج" لأتخلى عنهن وأذهب مع أخي المنتكس رأسه ذهولاً وعاراً..لم ألتفت عند سماعي لصراخ القبيحة ولا عند سقوط سُجى مفشية عليها...شعور الوحشة كاد أن يقتلني لن أثق بأي فتاة بعد الآن فهي بدت لي برئيه صادقة .
بعد أيام سمعت بأن زوج سُجى قد تغيرت معاملته كثيراً مع زوجته وحزن كثيراً من أجلها ولم يرضى بمكوثها في هذا المشفى لأن
النهاية واحده هي الموت بعد مزيج من عذاب متتالي من مضرات كيمائية لا تعالج ، وقيل أيضاً أنه قرر الذهاب إلى الخارج لعلاج أفضل!
قال لي أخي عبدالله بأن والد جميلة قد بحث عنها لغسل العار بقتلها "أين هو في السابق؟"...حسام غضب كثيراً ، ولكن عطف على شقيقته المذنبة وخبئها في أحد الغرف الصغيرة المهجورة في المشفى بمساعدة "عبدالله " لأنه مكان لا يتوقع والدها بتواجدها به..لن أنكر شفقتي واشتياقي لجميلة وسٌجى!
في الصباح بعد مضي أكثر من أسبوعين قررت الذهاب إلى جميلة بعد سلسلة من التوسلات لأخي عبدالله رضي بأن أذهب إليها ..
تضجر كثيراً ولعن وشمت هذه الجميلة التي وطئت رؤوسنا في التراب..عند الدخول إلى المشفى شعرت بدقات قلبي تتزايد وتشنج بيدّي، وجسدي يتهاوى!
قبل الوصول إلى حجرتها بدقائق ظهرت نغمة رسالة جديدة من رقم طويل:
(أنا سُجى .............)
توقفت برهة أو ساعة أو يوم أو أعوام لا أعلم ولكن كان توقفي
مثيراً للدهشة نظر إلىّ عبدالله بذهول وأخذ الهاتف من يدي المستسلمة ..ذهبت بسرعة إلى ذلك الباب المفتوح .
الغرفة ممتلئة بذوات الملامح المتشابهة ..وهنـا كانت الفاجعة أنها مرمية على الأرض..يحاولون تغطيتها بالغطاء الأبيض ، وكُتب على الجدار باللون الأزرق عبارة (أنــــا بريئــــــة)
- يـا الله!
هل ماتت أرجوكم قولوا لا ؟
أرجوكم!
اقتربت من وجهها البريء الجميل كجمال روحها وأحلامها ، وبعدت الغطاء !
ماذا فعلتي ياجميلتي عندما قذفناك جميعنا.. عندما لم نثق بكِ عندما تخلى الجميع عنك ؟
ما الذي جرى لكِ عندما أرسلناك إلى هذا المنفى ؟
ماذا فعلتي ياملاكي الطاهر في وحدتك ومرضك وحزنك وبؤسك
ماذا فعلتي؟
تأملت جمالها الشاحب وبكيتها كما لم أبكي في حياتي!
حتى تمنيت غسلها بدمع عيني"ماتت مظلومة"نظرت إلى أخي الآسف
الحزين دامع العينان..قلت له دون وعي!
- كانت تعشقك!
بعدها أنهمر أخي موجة بكاء عارمة وقال بصوت متهدج:
- "تباً لهم" .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق